أبو البركات بن الأنباري

36

البيان في غريب اعراب القرآن

أحدهما : أن يكون مرفوعا لأنه مبتدأ ، وخبره محذوف ، وتقديره ، فصبر جميل أمثل من غيره . والثاني : أن يكون مرفوعا لأنه خبر مبتدأ محذوف ، وتقديره ، فصبرى صبر جميل . قوله تعالى : « قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ » ( 19 ) . قرئ : يا بشراىّ بتشديد الياء ، ويا بشرى بغير ياء . فمن قرأ : يا بشراىّ كان منادى مضافا ، وكذلك قراءة من قرأ : بشرىّ بتشديد الياء ، لأن أصله : يا بشراى إلا أنه لما كانت ياء الإضافة لا يكون ما قبلها إلّا مكسورا قلبت الألف ياء ، وأدغمت الياء في الياء ، ومثله قراءة من قرأ : ( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ ) « 1 » في هداي . وذكر أنها قراءة النبي عليه السّلام ، ومن قرأ : يا بشرى بغير ياء ، كان منادى مفردا كأنه جعل ( بشرى ) اسم المنادى نحو قولك : يا زيد . ويجوز أن يكون نادى البشرى ، كأنه قال : يا أيتها البشرى . والبشرى صفة ( أيّة ) فحذف الموصوف ، و ( ها ) التي للتنبيه ، والألف واللام من الصّفة ، فصار ، يا بشرى . وكذلك ، يا سكرى ، وتقديره ، يا أيتها السكرى ، ففعل به ما ذكرنا ، وكذلك تقول : يا رجل ، وأصله : يا أيها الرجل ، فتحذف أىّ الموصوف ، وها التي للتنبيه ، والألف واللام ، فيبقى يا رجل ، ولهذه الحذوف لا يجوز حذف النداء من هذا النحو ، فإنك لو قلت : بشرى في ( يا بشرى ) ، وسكرى في ( يا سكرى ) ورجل في ( يا رجل ) لم يجز لما فيه من الإفراط في الحذف ، وكان هو أولى بالتّبقية لما فيه من الدلالة على غيره من المحذوف ، وليس في غيره ما يدل على حذفه ، وكأنه قال : يا أيتها البشرى هذا أوانك .

--> ( 1 ) 123 سورة طه .